الجمعة، ٢٤ أغسطس ٢٠٠٧

هذه الخطبة من موقع الإمام

شهر شعبان
إبراهيم بن سلطان العريفان

الخطبة الأولى
إخوة الإيمان والعقيدة ... إن المؤمن ليتقلب في هذا الزمان، ويمد الله له في الأجل، وكل يوم يبقاه في هذه الدنيا هو غنيمة له ليتزود منه لآخرته، ويحرث فيه ما استطاع ويبذر فيه من الأعمال ما استطاعته نفسه وتحملته. وها قد مضى أيها الأحبة شهر رجب، ودخل شعبان، وفاز من فاز بالتقرب والاستعداد في رجب لرمضان، ودخل شعبان والناس عنه غافلة. ولنا مع هذا الشهر المبارك وقفات ننظر فيها حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال سلف الأمة، الذين أمرنا بالاقتداء بهم، مع ذكر بعض فضائله وأحكامه. عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ) .وهذه لفتة فتنبه لها - يا عبد الله - قالوا: هذا فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل .
ومن شدة محافظته صلى الله عليه وسلم على الصوم في شعبان أن أزواجه رضي الله عنهن، كن يقلن أنه يصوم شعبان كله، فهذه عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان. [رواه البخاري ومسلم] .
وفي رواية قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلاً . وفي رواية لأبى داود قالت: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان. وهذه أم سلمة رضي الله عنها تقول : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان .

عباد الله ... إن الأجور المترتبة على الاشتغال بالطاعات وقت غفلة الناس ( كشهر شعبان )كثيرة ومتنوعة، فتعرضوا لنفحات الله، أيها الأحبة، وتلمسوا مرضاته. ثم اعلم يا عبد الله أن إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فيه فوائد:
1- إن فعلك لهذه الطاعة يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لاسيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء، وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان، فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما في سوقه، ويظن أهل سوقه أنه أكلها في بيته.
2- الفائدة الثانية في إحياء وقت غفلة الناس بالطاعات أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس إن كان على السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( الأجر على قدر النصب ) . والسبب في أن الطاعات في وقت غفلة الناس شاقة وشديدة على النفوس، هو أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين لهم، فسهلت الطاعات، وتأمل كيف أن كثيراً من الناس يشق عليهم الصيام في غير رمضان. فإذا جاء رمضان سهل عليهم الصيام ولم يجدوا مشقة في صيامه، وذلك لأن الناس من حولهم يؤدون هذه العبادة الجليلة، والناس كأسراب القطا يتبع بعضهم بعضاً، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الناس أشبه بأهل زمانهم منهم بآبائهم.

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القران، ليحصل التأهب لتلقي رمضان وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، ولهذه المعاني المتقدمة وغيرها كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك شهر شعبان ، ويغتنم وقت غفلة الناس، وهو من!! هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولذلك فإن السلف كان يجدّون في شعبان، ويتهيأون فيه لرمضان قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء. وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران، قال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، وقال أيضا: مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان . وها قد مضى رجب – يا عبد الله - فما أنت فاعل في شعبان إن كنت تريد رمضان، هذا حال نبيك وحال سلف الأمة في هذا الشهر المبارك، فما هو موقعك من هذه الأعمال والدرجات: مضى رجب وما أحسنت فيـه وهذا شهر شـعبان المبـارك فيـا من ضيع الأوقـات جهلا بحرمتها أفق واحـذر بوارك فسـوف تفـارق اللذات قهـرا ويخلى الموت قهرا منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص واجعل مـدارك على طلب السـلامة من جحيم فخير ذوي الجرائم من تدارك أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه ، إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :
معاشر المسلمين ... عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن ) ولنا مع هذا الحديث الذي يتعلق بالنصف من شعبان عدة وقفات مهمة:

الأولى: أن الله يغفر فيها لكل عباده إلا المشرك ، فتفقد نفسك يا عبد الله، وفتش باطنها، فلعلك أن تكون مبتلى بشيء من هذه الشركيات المنتشرة في الأمة، ولا تظنن بنفسك خيرًا بل فاتهمها في جانب الله وفي تقصيرها، ولا تقل أني بريء من الشركيات، ولا يمكن أن أقع فيها، ويكفى أنني أعيش في بلد التوحيد، فإن هذا غرور وجهل منك، إذا كان أبو الأنبياء وإمام الحنفاء خليل الرحمن يخشى على نفسه الشرك، بل يخشى على نفسه وعلى بنيه عبادة الأصنام، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ) {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ}
قال إبراهيم التيمي: من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يخلصه منه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ) فسئل عنه؟ فقال ( الرياء ) وقد حذر الله نبيه بل وكل الأنبياء من الشرك، وأوصي إليهم بأن أعمالهم تحبط إن أشركوا، وهم الصفوة من الخلق فقال تعالى { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .

الوقفة الثانية: خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم بغضًا له لهوى في نفسه، لا لغرض شرعي ومندوحة دينية ، فهذه تمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة ، كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه مرفوعا ( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا ) وقد وصف الله عباده المؤمنين عمومًا بأنهم يقولون {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ }

قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس والنصيحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ، وسيد القوم من يصفح ويعفو، فأقِل يا عبد الله حتى تُقال.
الوقفة الثالثة: إحياء بعض الناس لليلة النصف من شعبان، وبعضهم يصليها في جماعة ويحتفلون بأشياء وربما زينوا بيوتهم، وكل هذا من البدع المحدثة التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحبه ولا تابعوهم، وهم الحجة لمن أراد سواء السبيل ، ومن لم يكن متَّبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في هديه وعبادته فإن عمله مردود عليه، قال عليه الصلاة والسلام ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) أي: مردود على صاحبه.

الوقفة الرابعة: أن لا يصوم الإنسان بعد منتصف شعبان بنية استقبال رمضان وحتى يحتاط لشهر رمضان بزعمه فإن هذا من التنطع والغلو في الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان ) فهذا الحديث وما في معناه للمتنطعين والمتشددين الذين يستقبلون رمضان بالصيام بنية الاحتياط لرمضان، فهذا منهي عنه، اللهم إننا نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا

الأربعاء، ٨ أغسطس ٢٠٠٧

الإسراء والمعراج.. قيادة جديدة للعالم

نحن الآن في شهر رجب ، شهر الله الحرام، فهو أحد الأشهر الأربعة الحرم، التي عظمها الله ، فحرم فيها القتال، وضاعف فيها الأجر، لذلك فالطاعات فيها لابد أن تتضاعف ومنها الصيام

وفي هذا الشهر يتذكر المسلمون حدثا جللا هو الاسراء و المعراج. والإسراء هو الرحلة الأرضية من مكة إلى القدس.. من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.. رحلة أرضية ليلية. والمعراج رحلة من الأرض إلى السماء، إلى مستوى لم يصل إليه بشر من قبل، إلى سدرة المنتهى، إلى حيث يعلم الله عز وجل. هذه الرحلة كانت محطة مهمة في حياته (صلى الله عليه وسلم) وفي مسيرة دعوته في مكة، بعد أن قاسى ما قاسى وعانى ما عانى من قريش، ثم قال: لعلي أجد أرضًا أخصب من هذه الأرض عند ثقيف، عند أهل الطائف، فوجد منهم ما لا تُحمد عقباه، ردوه أسوأ رد، سلطوا عليه عبيدهم وسفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه (صلى الله عليه وسلم)، ومولاه زيد بن حارثة يدافع عنه ويحاول أن يتلقى عنه هذه الحجارة حتى شج عدة شجاج في رأسه. خرج عليه الصلاة والسلام دامي القدمين من الطائف ولكن الذي آلمه ليس الحجارة التي جرحت رجليه ولكن الكلام الذي جرح قلبه؛ ولهذا ناجى ربه هذه المناجاةالرقيقة:" اللهم اليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس،يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، الى من تكلني؟ الى بعيد يتجهمني؟ أم الى عدو ملكته أمري؟ ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي". لم يبال بغضب الناس اذا كان الله تعالى قد رضي عنه. وبعث الله إليه ملك الجبال يقول: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين(الجبلين)، ولكنه (صلى الله عليه وسلم) أبى ذلك، وقال: إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون..

لماذا الإسراء والمعراج؟

تسرية وتسلية و تعويضاً وتكريماثم هيأ الله تعالى لرسوله هذه الرحلة، الإسراء والمعراج، ليكون ذلك تسرية وتسلية له عما قاسى، ليعلمه الله عز وجل أنه إذا كان قد أعرض عنك أهل الأرض فقد أقبل عليك أهل السماء، إذا كان هؤلاء الناس قد صدّوك فإن الله يرحب بك وإن الأنبياء يقتدون بك، ويتخذونك إماماً لهم، كان هذا تعويضاً وتكريماً للرسول (صلى الله عليه وسلم) منه عز وجل.إعداداً لما بعد الهجرةكما كان تهيئة له للمرحلة القادمة، فإنه بعد سنوات قيل إنها ثلاث سنوات وقيل ثمانية عشر شهراً كانت الهجرة (فلا يعلم بالضبط الوقت الذي أسري فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا الليلة ولا الشهر ولا السنة ولم يهتم الصحابة بضبط وقته لأنه لايترتب على ذلك عمل لذلك لم يشرع في الاسراء والمعراج صيام نهار ولا قيام ليل) ً،فكان الإسراء والمعراج إعداداً لما بعد الهجرة، ما بعد الهجرة حياة جهاد ونضال مسلح، سيواجه (صلى الله عليه وسلم) العرب جميعاً، سيرميه العرب عن قوس واحدة، ستقف الجبهات المتعددة ضد دعوته العالمية، الجبهة الوثنية في جزيرة العرب، والجبهة الوثنية المجوسية من عباد النار والجبهة اليهودية المحرفة لما أنزل الله ، والجبهة النصرانية التي حرفت الإنجيل ، والتي تتمثل في دولة الروم.كان لا بد أن يتهيأ (صلى الله عليه وسلم) لهذه المرحلة المقبلة ومواجهة كل هذه الجبهات، بهذا العدد القليل وهذه العدة الضئيلة، فأراد الله أن يريه من آياته.. قال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا} كما قال تعالى في سورة النجم: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى}.أراد الله أن يريه من هذه الآيات حتى يقوى قلبه ، وتشتد إرادته في مواجهة الكفر ، هكذا فعل الله تعالى مع موسى عليه السلام، حينما أراد أن يبعثه إلى فرعون، أراه من آياته ليقوى قلبه، فلا يخاف فرعون ولا يتزلزل أمامه {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى* قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى* قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى* فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى* قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى* وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى* لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}، هذا هو السر، لنريك من آياتنا الكبرى، فإذا علمت أنك تركن إلى ركن ركين ؛ فلا تخاف عدواً..الصلاة.. معراجكان الإسراء والمعراج كذلك لشيء آخرهام في حياة المسلمين، هو فرض الصلاة. عادة الدول أن تستدعي سفراءها حينما يكون هناك أمر مهم، لا تكتفي بأن ترسل إليهم رسالة إنما تستدعيهم، وهكذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يستدعي سفيره إلى الخلق، محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى سدرة المنتهى، ليفرض عليه الصلاة، إيذاناً بأهمية هذه الفريضة في حياة المجتمع المسلم، هذه الفريضة التي تجعل المرء على موعد مع ربه أبداً. الفرائض كلها فرضت في الأرض، ولكن الصلاة فرضت في السماء لعظم مكانتها عند الله.إذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد عرج به إلى السموات العلا، فلديك يا أخي المسلم معراج روحي تستطيع أن ترقى به الى الله كل يوم، تنتزع نفسك من دنيا الناس الى حيث تقف بين يدي ربك تناجيه في الصلاة التي يقول الله تبارك وتعالى فيها في الحديث القدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال عبدي: الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي، فإذا قال الرحمن الرحيم، قال تعالى أثنى علي عبدي، فإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى مجّدني عبدي، فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر الفاتحة، قال الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".. المسلم وهو يصلي يستطيع أن يرتقي حتى يكاد يسمع هذه الكلمات من الله تبارك وتعالى، الصلاة هي معراج المسلم إلى الله تبارك وتعالى.قيادة جديدةثم لا بد أن ننظر لماذا كان هذا الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لماذا لم يعرج برسول الله (صلى الله عليه وسلم) مباشرة من المسجد الحرام إلى السموات العلا؟ هذا يدلنا على أن المرور ببيت المقدس ، والصلاة بالأنبياء فيه كان مقصوداً.هذا له معناه ودلالته: أن القيادة قد انتقلت إلى أمة جديدة وإلى نبوة جديدة، إلى نبوة عالمية ليست كالنبوات السابقة التي أرسل فيها كل نبي لقومه، هذه نبوة عامة خالدة لكل الناس، رحمة للعالمين، ولجميع الأقاليم ولسائر الأزمان، فهي الرسالة الدائمة إلى يوم القيامة عموم هذه الرسالة وخلودها كان أمراً لا بد منه، وهذه الصلاة بالأنبياء تدل على هذا الأمر، والذهاب إلى المسجد الأقصى، وإلى أرض النبوات القديمة، التي كان فيها إبراهيم، وإسحاق وموسى وعيسى إيذان بانتقال القيادة.. القيادة انتقلت إلى الأمة الجديدة وإلى الرسالة العالمية الخالدة الجديدة..

مصير واحد

ثم أراد الله تبارك وتعالى أن يربط بين المسجدين، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أراد الله عز وجل أن يرتبط في وجدان المسلم هذان المسجدان حتى لا يفرطوا في أحد المسجدين، من فرط في المسجد الأقصى أوشك أن يفرط في المسجد الحرام، المسجد الذي ارتبط بالإسراء والمعراج، والذي صلى إليه المسلمون مدة طويلة من الزمن، كان بيت المقدس قبلتهم، ثلاث سنين في مكة وستة عشر شهراً في المدينة، كان قبلة المسلمين الأولى، وهو المسجد الذي لا تشد الرحال إلا إليه مع المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبهذا كانت القدس هي المدينة الثالثة المعظمة في الإسلام بعد مكة والمدينة. هكذا ينبغي أن يعي المسلمون أهمية القدس والمسجد الأقصى في دينهم وعقيدتهم، ومن أجل هذا حرص المسلمون طوال التاريخ أن يظل هذا المسجد بأيديهم. وحينما احتل الصليبيون المسجد الأقصى وأقاموا لهم ممالك وإمارات، هيأ الله من أبناء الإسلام، ومن قادة المسلمين من نذروا حياتهم لتحرير هذا المسجد، وكان هؤلاء القادة من غير العرب، بدأ ذلك بعماد الدين زنكي القائد العظيم، وبابنه الشهيد نور الدين محمود، الذي يلقب بالشهيد مع أنه لم يستشهد، ولكنه عاش حياته تائقاً للشهادة في سبيل الله، وكان يشبه بالخلفاء الراشدين بعدله وزهده وحسن سياسته، وتلميذ نور الدين محمود صلاح الدين الأيوبي البطل الكردي الذي حقق الله على يديه النصر، في معركة حطّين ومعركة فتح بيت المقدس.. فتح بيت المقدس ولم يرق فيها من الدماء إلا بقدر الضرورة، بينما حينما دخلها الصليبيون غاص الناس في الدماء إلى الركب، قتلت الآلاف وعشرات الآلاف، ولكن هذا هو الإسلام.المسجد الأقصى ملك لجميع المسلمينكل مسلم عليه واجب نحو هذا المسجد الأمر لا يتعلق بالفلسطينيين وحدهم، كل المسلمين مسؤولون عن القدس وعن المسجد الأقصى، الفلسطينيون لو أنهم تقاعسوا وتخاذلوا وسلموا المسجد الأقصى، لوجب علينا أن نقاتلهم كما نقاتل اليهود، دفاعاً عن حرماتنا وعن مقدساتنا، وعن قدسنا وعن مسجدنا الأقصى، المسجد الأقصى ليس ملكاً للفلسطينيين حتى يقول بعض الناس هل أنتم فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين؟ نعم فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين، وقدسيون أكثر من القدسيين ، هذا مسجدنا، هذه حرماتنا، هذه كرامة أمتنا، هذه عقيدتنا.وقد أراد الله تعالى أن يربط هذا المسجد بهذه الذكرى لنظل في كل عام كلما جاءت ذكرى الإسراء في أواخر رجب ويحتفل بها المسلمون في كل مكان ذكرتنا بهذا الأمر الجلل، هذه القضية الخطيرة، هذه القضية المقدسة..لا يمكن أيها الإخوة أن نفرط فيها، إذا كان اليهود قد حلموا بإقامة دولة واستطاعوا أن يحققوا حلمهم، فعلينا أن نحلم نحن بأننا لا يمكن أن نفرط في مسجدنا حتى وإن رأينا الواقع المر يستسلم هذا الاستسلام، وينهزم هذا الانهزام، لا يجوز لنا أن نسير في ركابه منهزمين. لقد رأى الرسول في رحلة الإسراء سبعين ألف ملك يدخلون البيت المعمور كل يوم ثم لايعودون اليه الى يوم القيامة. فإذا كان لله جنودالسماوات والأرض فلماذا فرض علينا الجهاد؟ لأنه سبحانه لايريدأن يتنزل نصره على تنابلة كسالى يبخلون على الله بأنفسهم وإنما يحب الله أن تبذل النفوس والأموال من أجله.يجب أن نعتقد أن الله تبارك وتعالى معنا وأن الله ناصرنا وأنه مظهر دينه على الدين كله، وأنه ناصر الفئة المؤمنة، وكما روى الإمام أحمد والطبراني، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس". لابد من يوم تقع فيه المعركة مع اليهود، يكون فيها النصر المؤزر للاسلام، هذا ما جاء في الصحيح عن النبي:" لاتقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أوالشجر: يا مسلم، ياعبدالله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، الا الغرقد فإنه من شجراليهود". وإنا لهذا اليوم منتظرون، وما ذلك على الله بعزيز"...... و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم، وعدالله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لايعلمون".

الجمعة، ٣ أغسطس ٢٠٠٧

غزوة الأحزاب

غزوة الأحزاب
ومكر اليهود في فلسطين

الهدف من الخطبة:

الوعي لدى جمهور المستمعين بما يدبره أعداء الإسلام اليوم على جميع الأصعدة

عناصر الخطبة:

1- اليهود يستنفرون قريشاً ويستعدونها على المسلمين.
2- خروج أحزاب مختلفة من العرب لقتال المسلمين.
3- فكرة حفر الخندق وشروع الصحابة في تنفيذها.
4- ذكر بعض ما جرى أثناء حفر الخندق.
5- مناوشات حول الخندق.
6- غدر يهود بني قريظة.
7- نعيم بن مسعود يوقع بين الأحزاب.
8- الريح تهزم قريش وحزبها.


عناصر ملحقة بالخطبة
المشهد الفلسطيني الحالي ودورنا تجاهه ...
· الاحتلال الإسرائيلي هو قضيتنا الحقيقية التي ينبغي ألا ننساها و نستمر في العمل على إزالتها .
· وحدة صف الأمة مطلب إسلامي وعلى الجميع العمل على تحقيقه .
· شرح محاولات إسقاط الحكومة الفلسطينية المنتخبة منذ يناير 2006 .. وتوضيح أن هذه الحكومة هي التي تحمى المقاومة من تسليم سلاحها ..
· توضيح أن الخلاف بين حماس و بين مجموعة من العملاء وليس بين حماس وفتح
· التركيز على استتاب الأمن في غزة و إطلاق سراح الصحفي البريطاني منذ 14/6/2007 وحتى الآن ..
· توضيح تغير موقف الإدارة المصرية من حماس وما حدث في غزة لإدراكها حقيقة أبعاد الأحداث .
· تفنيد الشبهات لدى الحضور لتنقية صورة المقاومة الإسلامية و يمكن الاستعانة بالملف المرفق .


الواجب العملي:

1- العبرة بدروس الغزوة ( الربط بأحداث غزة وفلسطين )
2- التصدي لمكر الأعداء بالرجوع إلى الله ( المقاطعة – الدعاء – الدعم بالمال )
3- قراءة سيرة النبي r وكيف تعامل مع اليهود ( الفرق بين حماس وغيرها في التعامل مع اليهود المحتلين )

وهدأت الأوضاع بعد غزوة أحد، ولكن ثمة عصبة من شرذمة يهود، غاظهم هذا السلام وتورمت قلوبهم خنقًا وغيضًا بعد أن أجلاهم رسول الله إلى خيبر، لتبدأ مسيرة الظلام والصدّ عن سبيل الله، فخرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وساداتهم إلى قريش بمكة يحرضونهم على قتال محمد وأن لهم النصر والتأييد، فأجابتهم قريش، ثم خرج هؤلاء اليهود حتى أتوا غطفان ودعوهم إلى ما دعوا إليه قريش فأجابوهم، وهكذا خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، وخرجت من الشرق قبائل غطفان، واتجهت هذه الأحزاب نحو المدينة، وبعد أيام تجمع جيش عرمرم قوامه عشرة آلاف مقاتل، ربما زاد عدده على أهل المدينة كلهم بشبابهم وشيوخهم، ونسائهم وصبيانهم.
وبلغ النبي تحرك الأحزاب، فاستشار أصحابه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال يا رسول الله: إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنًا علينا. فاستحسن رسول الله الرأي، وكان أمرًا لم تعرفه العرب من قبل.
وكانت المدينة تحيط بها الحرات ـ وهي الحجارة السود ـ من الشرق والغرب والجنوب، فأمر أن يحفر الخندق من جهة الشمال وكان طوله نحو ميل، ووكل إلى كل عشرة أن يحفروا أربعين ذراعًا، أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
((اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة))
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا
وعند البخاري كذلك عن البراء بن عازب قال: رأيته ينقل تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب ويقول:
((اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينـة علينــا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الآلي قد بغـوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا))
ثم يمد بها صوته بآخرها.
وقد أصاب الناس من الجوع والبر ما أصابهم، قال أبو طلحة كما عند الترمذي: شكونا إلى رسول الله الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله عن حجرين.
وقد لاحت في حفر الخندق أعلام للنبوة كثيرة منها ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله أنه لما رأى ما في النبي من التعب والجوع، ذبح بهيمة وطحنت امرأته صاعًا من شعير ثم التمس من رسول الله سرًا أن يأتي في نفر من أصحابه، فقام النبي بأهل الخندق وهم ألف فأكلوا من ذلك الطعام وشبعوا، وبقيت برمة اللحم تغط به كما هي، وبقي العجين يخبز كما هو، وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغذى أبوه وخاله، فمرت برسول الله فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون منه وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه يسقط من أطراف الثوب.
وروى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: ((أنا نازل))، ثم قام وبطنه معصوب بحجر فأخذ المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيمـ أي صار رملاً لا يتماسك.
وروى أحمد عن البراء قال: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ، فجاء وأخذ المعول فقال: ((بسم الله ثم ضرب ضربة وقال: الله، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر فقال: الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني)).
وأقبلت قريش في أربعة آلاف فنزلت بمجتمع الأسيال، وغطفان ومن معهم في ستة آلاف حتى نزلوا إلى جانب جبل أحد، وخرج رسول الله في ثلاثة آلاف من الصحابة فتحصنوا بالخندق بينهم وبين المشركين، وكان شعارهم "حم لا ينصرون" ولما هم المشركون بمهاجمة المسلمين فوجئوا بالخندق أمامهم فقال أبو سفيان: هذه مكيدة ما عرفتها العرب، وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابًا يبحثون فيه عن منفذ يقتحموا فيه نحو المسلمين، وكره فوارس قريش أن يقفوا موقف المتفرج، فخرجت منهم جماعة فيها عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فتيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها، ودعا عمرو إلى المبارزة، فانتدب له علي بن أبي طالب فاقتحم عمرو عن فرس فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتجاولا وتصاولا، حتى قتله علي رضي الله عنه، وانهزم الباقون والرعب يملأ قلوبهم، والوهن يفت عزيمتهم.
وحاول المشركون اقتحام الخندق أو بناء طريق فيه، فلم يمهلهم المسلمون بل كافحوا مكافحة شديدة ورشقوهم بالنبل، ففي الصحيحين عن جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما جاء يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، فقال يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي : ((والله ما صليتها)) فنزلنا مع النبي بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب" وفي هذا يتبين شدة الموقف وحراجته، وطول الحصار الذي دام قرابة الشهر فقال النبي : ((ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)).
الله أكبر... يتحسر على فوات وقتها، وهم معذورون يجالدون العدو، ويذودون عن حياض الدين، فعجبًا لمن يقرع النداء مسامعه في كل حين، فيبقى حبيس الكسل والغفلة، معرضًا عن نداء ربه، منشغلاً بملذات الدنيا وشهواتها.
وبقي الخندق حائلاً بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر، بل اقتصروا على المراماة بالنبل وقد قتل من جراء ذلك ستة من المسلمين وعشرة من المشركين وفي هذه المراماة رُمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم فقطع منه الأكحل فدعا سعد: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحدٌ أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بينا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم، حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة).
في هذه الأثناء انطلق كبير مجرمي يهود بني النضير حيي بن أخطب إلى ديار بني قريظة، فأتى كعب بن أسد القرظي سيدهم، وكان قد عاقد رسول الله على أن ينصره إذا أصابته حرب، فضرب حيي عليه الباب، فأغلقه كعب دونه، فما زال يكلمه حتى فتحه فقال حيي: إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من ردمه، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً فلم يزل به حتى أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب عهده وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين ودخل مع المشركين.
وهكذا فعل جد اليهود الأول حربًا لله ولرسوله، والذي لابد أن يعلم ويربى عليه أبناء الأمة الواحدة درسًا من واقع الحياة وأحداث السيرة أن الكلاب لا تلد إلا الكلاب، وأبناء الأفاعي كأمهاتهم لا تجيد إلا لغة المراوغة والخداع ونفث السم في صف الأمة الوسط.
ألا فليعلم جهال المتعلمين من بني قومنا أن الكفر ملة واحدة لا فرق فيه بين يهودي ونصراني أو وثني.
وبدأت يهود بني قريظة بعمليات الحرب، مر رجل منهم فجعل يطوف بالحصن الذي فيه النساء والذراري، فرأته صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله فشدت على وسطها ثم أخذت عمودًا، ونزلت من الحصن، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن، وبهذا ظن اليهود أن للمسلمين ظهرًا فلم يقربوهم، وهنا دب الرعب في قلوب بعض المؤمنين حين علموا بنقض بني قريظة العهد فأمامهم جيش عرمرم لا يستطيعون الانصراف عنه، وبنو قريظة خلفهم لا يؤمن من هجومهم على نسائهم وذراريهم حتى قال المنافقون: كان محمدًا يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط وقال بعضهم: إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج المدينة، وهمت بنو سلمة بالفشل، وكان حالهم كما حكى الله عن موسى وقومه حين أدركهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا والبحر من أمامهم قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين [الشعراء: 61 ـ 62].
وأما رسول الله فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة ثم نهض وهو يقول: ((الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين)) ، أي بفتح الله ونصره، وأرسل إلى المدينة من يحرسها، ثم أراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى ينصرفوا فاستشار السعدين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بيعًا فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلا السيف، وصّوب رأيهما وقال: إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة.
في هذه الأثناء يسر الله أمرًا وهيأه، أن أسلم نعيم بن مسعود رضي الله عنه فجاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت فقال رسول الله : ((إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة)) فذهب إلى بني قريظة وكان عشيرًا لهم في الجاهلية فدخل عليهم وقال: قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت, قال: فإن قريشًا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمدٍ وأصحابه، وقد ظاهروكم عليهم، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمدًا فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم. قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: أشرت بالرأي.
ثم مضى نعيم إلى قريش وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم. قالوا: نعم، قال: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان فقال: مثل ذلك.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس للهجرة بعثوا إلى اليهود: أنا لسنا بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا، فرد اليهود أن اليوم يوم سبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فقالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم. فأبى المشركون فقالت يهود: صدقكم والله نعيم فتخاذل الفريقان، وخارت عزائمهم.
وكان المسلمون يدعون: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وكان النبي يدعو: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم)).
وسمع الله دعاء نبيه والمسلمون وأرسل الله عليهم الريح فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار، وأرسل جندًا من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب، فرحلوا لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال. ثم توجه إلى قريظة فقتل رجالهم وسبى نساءهم بحكم سعد بن معاذ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًاإذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنوناهنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدًاوإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًاوإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًاولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرًاولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولاًقل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذًا لا تمتعون إلا قليلاًقل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا [الأحزاب:9ـ17]. إلى أن قال سبحانه: ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا [الأحزاب: 25].